فوزي آل سيف

36

معارف قرآنية

إن الدقة ـ حتى في الصورة الظاهرية ـ مما لا ينتظره أحد ، ومع ذلك هي موجودة ولا تحصل إلا من قبل السميع العليم (وما كان ربك نسيا). لاحظ ما ذكره بعض الباحثين القرآنيين، من أن الكلمات المتقابلة، التي تشير إلى مفاهيم ، هي بعدد واحد، كالحياة والموت، والرجال والنساء ، والدنيا والآخرة ، والملائكة والشياطين .. مع أنها لو لم تكن بعدد متفق ومتساو .. لم يعترض أحد ، وربما لم يؤثر ذلك على بلاغة القرآن في شيء ! فمن يتسنى له من البشر هذا المقدار من الدقة ، والهندسة والملاحظة ؟ ومن يستطيع أن يحسب هذه الحسابات ، وفي نفس الوقت تبقى المعاني في الآيات والبلاغة في الكلمات على حالها ، ولا يتأثر شيء بشيء ؟ إنه لا يحصل إلا بواسطة رب السماوات والأرض الذي ( أحاط بكل شيء علما ) . القرآن والإعجاز الإخباري كما أخبر الله سبحانه في القرآن الكريم عن الماضي والتاريخ وقصص الأقوام السابقة ، بصدق ودقة ، كذلك فيإنه أخبر عن المستقبل وما سيجري فيه ، وقد شهدت السنوات التالية لتنزيل الآيات بما أنبأ عنه الكتاب .. بعضها قبل حصولها بفترة قصيرة وبعضها الآخر احتاج إلى سنوات طويلة ليتحقق الناس من صدق إخبارات وإنباءات الكتاب المجيد .. وهذا يؤكد معنى واضحا في أن منزل القرآن هو رب الكائنات الذي يدبر الكون ويجري مقاديره بعلمه وتدبيره . فعلى مستوى الأفراد، تحدث عن أشخاص، مثل الوليد المخزومي وقال: (سأصليه سقر، وما أدراك سقر)[56] فحكم عليه بأنه سيموت كافرا ، ومن الناحية النظرية كان بإمكان الوليد أن يقول: لكي أكذب مقالة القرآن دعني أؤمن ! فيكون في ذلك تكذيب القرآن .. كلا لن يحصل هذا لأن الذي أنزل القرآن هو العالم بمصير الوليد ونهايته على طريق الكفر والجحود . وكذا الحال في مثل أبي لهب، فقد قال في شأنه (تبت يدا أبي لهب وتب)، ولا يستطيع غير الوحي الاخبار الجازم عن مصيره ، وتحقق هذا المصير تماما مثلما ذكر القرآن . وفي (ألم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون)[57]، احتاج الأمر لسنوات لكي يتحقق ويفرح المؤمنون بنصر الله . وكذلك فقد أخبر عن النبي وأصحابه وأنهم سيفتحون مكة: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله)[58]، وفعلا دخلوا المسجد الحرام، فاتحين، وصارت مكة مسلمة. الحق هو ما قاله الله تعالى عن كتابه (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا القرآن لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) [59].

--> 56 ) المدثر / 26ـ 27 57 ) الروم / 1ـ3 58 ) الفتح / 27 59 ) الإسراء / 88